مقدمات في : علم أصول التشريع العام(1) :

*******************************

مقدمة في توصيف الشرائع الخاصة :
*******************************
• على مدى سلسلة من البحوث في علوم شتى - دينية ودنيوية - تَبَيّنَ أنّ خصوصية كلِّ إنسانٍ لا تنحصر في بصمة أصابعه، كما يتوهم أكثر الناس، بل الحق : أن كل إنسان هو بمثابة بصمة خاصة بذاته، فلا يتطابق مع أحدٍ من بني آدم، ولو كان توأمَه، سواءً في بدنه أو عقله أو فهمه، و سائر صفاته وقدراته .
• وقد تناول العلماءُ ظاهرةَ الإجمال في نصوص القرآن، وتظافرت أقوالهم في تعليلها على أن مرد ذلك إلى تكثير المعاني التي يحتملها النص القرآني، وبالتالي إثراء الشريعة بمزيد من الأحكام المستنبطة على مر الأيام .
لكن بقي عندي من ذلك شيء وهو أن يقال : إن لذلك الإجمال مقصدٌ عام آخر متصل بما ذكره أهل العلم مارّ الذكر، وهو : إن ذلك الإجمال جاء ليتلاءم مع ذلك الاختلاف والتنوع في طبائع البشر، والذي أشرتُ إليه مطلع هذه المقالة، فكما أن لكل عبد خصوصيته وتفرده في خِلقته وخُلُقِهِ وطبائِعِه، فكذلك جاءت النصوص مُجملةً، حمّالةً لوجوه شتى من المعاني؛ لتلائم جميع طبائع وقدرات العباد، على اختلاف أفهامهم وقدراتهم .
وبناءً على ما تقدم : فلا يستقيم العدل الرباني أن يُنزّل شريعةً لاتحتمل نصوصها إلا معنى واحداً ، و ذات وجهٍ واحد، وفهم واحد، تتلاءم مع أفرادٍ مِن الخلق، ولا تتلاءم مع ملايين غيرهم، فشاء الله تعالى بقدرته وحكمته أن يُنزل شريعة عامة واحدة، تحتمل نصوصُها من المعاني ما يناسب طبائع و أفهام الخلق أجمعين .

 فمتى ما بَذَل العبدُ وِسْعه في فهم النصوص الشرعية، بنفسِهِ - إن اكتملت عنده أهلية النظر- أو بواسطة غيره، إن كان عاجزاً عن ذلك، فقد ظفر بالحق الذي يناسب مبلغ علمه ومدى فهمه، وكان مدار تكليفه بحسب فهمه وعلمه هو.
فإنّ الله تعالى يقول : {لا يُكلِّفُ اللهُ نفْسَاً إلاّ وُسْعها}
 فنطاق التكليف مُقيّد بوسع العبد، و وسع كلِّ عبدٍ بحَسَبِهِ .
وبذلك يتأكد ما أشرنا إليه في مقالنا السابق(٢) ، فالشريعة بالنسبة لزيد هي بحسب فهمه وقدراته هو ، والشريعة بالنسبة لِعَليٍّ هي بحسب فهمه وقدراته هو ، لا بحسب فهم غيره ولا بحسب قدرات غيره .
وعلى وفق ذلك الفهم الخاص بكل عبد تتشكل له شريعته الخاصة، وعلى وفق شريعته الخاصة يترتب حسابه يوم القيامة .
ومِمّا ينبني على هذا التأصيل بالغ الأهمية :
تصويب كل متمذهب على مذهبه ، بالنسبة لنفسه أمام الله، متى ما بَذَل وسعه في الفهم والاتباع .
ولا يتوهمنّ أحدٌ أن هذا التوصيف مقصور على ضروب الرُخص، ولا محصور في أبواب الفقه، بل هو شامل لكل دين العبد، في معتقداته و طاعاته، وسائر تصرفاته؛ فإنّ مناط الأحكام والتكاليف مَبْنيةٌ على حسب فهم العبد لها ، لا بحسب حقائقها .
---------------------------------------
(١) هذا العلم لم أطلع على أحد قد كتب فيه من قبل، من حيث هو علمٌ مستقل، له خصائصه ومعالمه التي تميزه، و أمّا مَن ألّف كُتباً تحت عنوان "أصول التشريع" فإنما قَصَد علم "أصول الفقه" المعروف .
(٢) وهو الموسوم ب"الشريعة العامة والشرائع الخاصة"


أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login