تبصير نُبَهاءِ البَرِيّة بأنّ المذهب صَنْعةٌ بشريّة :
¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤
تناول كثيرٌ من العلماء، ودونهم خلْقٌ كثير، ظاهرة التمذهب بين ناصر و ناقد، وهي كما أشرت في مقال سابق : ضرورة دينية، وسنة تشريعية، وبديهة بشرية.
لكن الذي أريد التنبيه إليه هو حقيقةٌ غَفَل عنها كثير من المعتزين بانتمائهم لمذهبهم، سواء كانوا تلقَوْه عن الاهل و توارثوه، أو بعد بحث و نظر اكتسبوه، والظانين أن مذهبهم هو الصورة المُثلى لدين الإسلام، أو أن مذهبهم هو الإسلام ذاته(١)، وأن غيرهم من المذاهب ضالة منحرفة، و هذا الظن وهْمٌ محضٌ، ومن مظاهر الغلو والتحجر، و الاستبداد .
وهذه الحقيقة هي إن المذهب، أيَّ مذهبٍ كان، عَقَدياً كان أو فقهياً : ما هو إلا صنعةٌ بشرية، صاغتها أفهام و أقلام علماء كلّ مذهب، بحسب مبلغ علمهم، وطريقة فهمهم للنص، فصورة الدين، وصيغة التدين لأتباع المذهب قد صيغت وفق أفهام أولئك العلماء، وحتى أولئك الذي يدّعون عصمةَ أئمتهم، فقد آلَ بهم الحال إلى اللجوء إلى علمائهم "غير المعصومين" لتفسير كلام أولئك المعصومين !!!
فصار الجميعُ متساوين في خضوعهم لأفهامٍ غيرِ معصومة، تفسِّر لأتباعهم النصوص المعصومة.
ولايظنّنَ ظانٌّ أن علماء مذهبه قد انفردوا بالاستدلال الصحيح، وغيرهم انحطوا عن هذه المنزلة، فلكلّ مذهبٍ علماؤه، ولكلِّ مذهبٍ معاييره في صناعة الدليل، وطرق الاستدلال.
وليس في ذلك حطّ لمذهب، أو انتقاص من أتباع مذهب، ولا تصحيحاً أو تأييداً لكل مذهب، كما قد يُتوهم، بل هو توصيف واقعي؛ فحقيقة الأمر إنّ عوام المسلمين(٢) يصطفون في جهة، والنص الشرعي في جهة أخرى، وينتصب بينهما العلماء، فيرى كلُّ واحدٍ من أولئك العوام : النصَّ بمنظار العالم الذي يتبعه، لا بنظره هو، ولا بفهمه هو ؛ لكونه قاصراً عن بلوغِ منزلة النظر، وعاجزاً عن تفسير و فهم النص بمفرده.
فواقع الحال إنّ جماهير المسلمين المنتسبين لمذهب ما : إنما يفهمون النصوص بعد خضوعهم لفهم علمائهم لتلك النصوص، فَفَهْمُهَم خاضع لأفهام علمائهم، وهذه الأفهام غير معصومة، حتى وإن كابَرَ بعض الغلاة تهرّباً من هذا المأزق.
فيتحصل من كل ما تقدم أن المذهب -أيّ مذهب كان- هو صنعة بشرية، غير منزهةٍ عن الخطأ والزلل في فهم النص.
وأترك للعقول المتحررة استنباط الثمار من هذا التأصيل .
-------------------------------------
(١) فعند هؤلاء المذهب كلمة مرادفة للدين برمّته .
(٢) بل وحتى المنتسبين لطلب العلم منهم، هم كذلك؛ لأنهم لايجرؤون على مخالفة المذهب، فصاروا في واقع الأمر بمنزلة العوام .

أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login