تاملات في مآزق العقل الإنساني :

¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤•¤

تنبيه الخواص والعوام إلى معضلة تعدد الأفهام ، وما ينبني عليه من اختلاف الأحكام : -

 

كثيرة هي المآزق التي يواجهها العقل البشري، والتي يقفُ أمامها عاجزاً عن إيجاد حلٍّ لها أو مخرج منها، والتي تُثبِتْ بمجموعها - متظافرةً - على عجز الإنسان، وفقره، وقصور قدراته العقلية والبدنية والروحية، وغيرها .

ويأتي في مقدمة تلك المآزق : معضلة الفهم الواحد(١)، وما يتصل بها من تغير الفهم بالنسبة للإنسان الواحد، مع مرور الايام، وتغير موارد الإدراك والمعرفة، وتغيّر القناعات، وتغيّر ثوابت الفهم، وثوابت التفكير؛ فقد تقدم في مقالة سابقة بعنوان (العلمُ : مفرداتُ التفكير) القولَ : بأنّ حصيلةَ مداركِ الإنسانِ في أيِّ باب أو ميدان من ميادين المعرفة إنما هو مبنيٌّ على حصيلته المعرفية فيما يُعمِل فِكْرَه فيه، فهي التي يستعين بها في التفسير والفهم لكل ما يرد على عقله من أشياء .

فعلى قدر سِعة حصيلته المعرفية : تزداد حِدّةُ فهمِهِ، وسِعة علمِه في نتيجة ما يفكر فيه، وبالتالي فمتى ما قصر علمه: قصر تفكيره، وضعف فهمه .

و أتناول هنا معضلة الفهم الواحد، والتي يعسر حلّها لدرجة تقرب من المستحيل؛ ومردُّ هذا العُسر البالغ هو ما تقدمت الإشارة إليه من أن الإدراك الخارجي لكل إنسان مبني - في حقيقة الأمر- على حصيلته المعرفية المخزونة في عقله، و التي يستعين بها في تفسير كل ما يرد على حواسّه من أشياء، وقد تبين لي بعد تأمّل طويل(٢) أن صيغة الفهم تحكمه حصيلة الانسان المعرفية بالمرتبة الأولى، لا ما يرد إليه من طريق تلك الحواس(٣)، فكل ما يَرِد على عقل الإنسان من مدارك إنما يخضع في تفسيره وفهمه لحصيلته المعرفية، والتي تتسلط على تلك الاشياء فتفسرها وفق ما رَسَخ في ذهنه من أدوات أو وسائل الفهم، قَصُرت أم اتسعت، صَحّتْ أم أخْطَأتْ .

فلو اجتمع عشرةٌ من الناس، متقاربون في عقولهم، يستمعون لمحاضرة موجزة، لمحاضِر واحد، لَخَرَجَ أولئك العشرة : بعشرة أفهام، لايتطابق فهمُ كلّ واحدٍ منهم مع فهم الآخر، رغم أن المتكلم واحد، والكلام واحد، قيل في وقت واحد وظرف واحد .

ومن هنا يتبين تعذر الوصول إلى الفهم الواحد للنص، مهما حرص صاحبُهُ على البيان والتوضيح؛ إذ إن صيغة الكلام و ألفاظه ستخضع لأدوات الفهم والتفسير، بحسب كل إنسان، وما لديه من تلك الادوات(٤)، سواء كانت أدوات صحيحة للتفسير والفهم ، أو كانت وسائل قاصرة وغير صحيحة، ولمّا كان لكلِّ إنسان خصوصيته التي لايشاركه فيها أحد(٥)، فقد لزم لذلك أن يكون لكل إنسان فهمه الخاص.

ومن ثَم : الاختلاف والتنوع فيما ينبني على كلّ فهمٍ من اعتقادات و أفعال وأقوال .

ولا ادّعي بذلك أن اجتماع العشرة - في المثال السابق - يستلزم انفراد كل واحد منهم بفهم مختلف تماماً عن التسعة الآخرين، بل القصد تعذر تطابق الفهم لكل جزئيات الكلام المُتلقى من المتكلم، مع سائر مدارك العشرة على السواء.

--------------------------------------------

(١) أعني بمعضلة الفهم الواحد : تعذر اتفاق جماعة من الناس على فهم واحد بالنسبة للخطاب الواحد .

(٢) وكنت أصوغ تلك المعضلة بتساؤل مفاده : هل الفهم للشيء تحكمه جزئياتُه الذاتية؟ أم تحكمه حصيلة الانسان المعرفية التي يستعين بها لفهم ذلك الشيء؟ وقد ترجح عندي : الافتراض الثاني .

(٣) و أذكِّر هنا بالقاعدة التشريعية العظمى في بابها وهي : إن تشريع الاحكام مبني على مدارك الإنسان لا على حقائق الأشياء.

(٤) أي :ادوات التفسير والفهم لدى كل إنسان .

(٥) ينظر : المقال المسمى (مقدمات في توصيف الشرائع الخاصة).

أضف تعليق

كود امني
تحديث

 

Copyright © 2013 All rights reserved.

Flag Counter

Flag Counter

 
 

Login